000s
رسالة إلى من يهمه الأمر

حدَّثني أحدُ مشايخنا وأحد أعلام مدينة حماة العِظام، عن رجل قضى في أحداث الثمانينيات في مدينة حماة قتلاً على أيدي مليشيات الأسد الأب، وكان لهذا الرجل صديقٌ حميم تأثَّر لموت صديقه وعزَّ عليه

فقْده، وهو يمتلك (بسطةً) يبيع عليها ما تيسَّر له أن يَبيع فيُطعِم به عياله، الشاهد من القصة أن صديق القتيل رأى فيما يرى النائم أن صديقه في عليين، وأنه في مقام حسنٍ رفيع، فانطلق يُنبئ أهلَ صديقه عمَّا رآه عليه من نعيم مُقيم، فتفاجأ بسعي رجال الأمن إلى بسطته في اليوم التالي يستفهمون عن منامه ويُبلِغونه عواقبَ مِثل هذه الرؤى عليه، وكيف أنها تؤثِّر سلبًا على (التطوُّر السياسي والاقتصادي للبلاد)، وكيف أنها (تدعم الإمبرياليَّة وتُكرِّس للرجعية)!!

وجدَّتي التي تُبحِر اليوم في عقدها الثامن تتألَّم، وهي تُحدِّثني كيف اقتحم رجال الأمن - أيام الثمانينيات - بيت جدي العربي القديم الذي يُشبِه القلعة في أسواره، وانهالوا ضربًا على والدتي وخالاتي وهنَّ خائفات وجلات يقبعْنَ في (قبو البيت) لم يَبلغْن بعدُ سنَّ العاشرة، ولم يفقهن يومًا لماذا يعتدي هؤلاء الوحوش عليهن بهذه الهمجيَّة؟!

ووالدي ذو الرابعة والخَمسين يَحبسُ دمعته كلما حدَّثنا أحد المولودين الجدد ممن خرَجوا من سجون الاحتلال الأسدي بعد عقود من الاختفاء عن أعمامي الاثنين الصيدلانيين، وكيف طلَبهم الضابط الواحد تلوَ الآخر ليكونا التاليين على منصَّة الإعدام ظُلمًا وجورًا وعدوانًا، ولا أنسى أن أحدهما كان يُعاني آلامًا في ظهره مما صعَّب عليه عمليَّة الاستقامة حينما التفَّت على رقبته عقدة الموت، فرحلَ عن هذه الدنيا مُنحني الظهر وهو مَن كان رافع الرأس طوال حياته.

وخالتي تلك التي عاشت في الغربة لأكثر من ثلاثين عامًا، وقد أرهقتْها الأمراض والهموم وتداعتْ على كاهلِها أحوال الظلم والطغيان، تُحدِّثني عن خالي المهندس المعماري الذي ما فتئ يُطلب لفروع الأمن ومعتقلاتها وهو ابن الخامسة عشرة؛ حتى أنه لم يتسنَّ له التخرُّجُ في كليته، فتخرَّج في هذه الدنيا شهيدًا لم تَطِب لنا رؤية جسده أو معرفة مَدْفنه، فراحَ غريبًا عن أهله، ولكن ليس غريبًا عن وطنه!

من أجل ما كتبه مصطفى خليفة في كتابه "القوقعة" عن ذلك الستيني الذي خيَّره القاضي العسكري الظالم في أن يَطوله الإعفاء من الإعدام هو أو أحد أولاده الثلاثة، فاختار أن يُعفى ولده الأصغر، (ذا الست عشرة سنة)، فكان الحكم على أولاده الثلاثة بالإعدام وإعفاؤه؛ ليَقتُل الحزن ما تبقَّى من جسده الهزيل.

من أجلِ ما كتبته هبة الدباغ صاحبة كتاب (خمس دقائق وحسب)، وأضرابها عن صُنُوف التعذيب الجسدي والنفسي في المعتقلات!

من أجل الزنزانة ذات مساحة واحد متر مربع!

من أجل آلاف المختفين وملايين المهجَّرين!

من أجل الماغوط ونزار و"أبو ريشة" الذين غادَرونا وهم يُناهِضون استعمار الطَّغامات الفاسدة لبلاد الأخيار!

من أجل عشرة آلاف شهيد قضوا في يومٍ واحدٍ في مدينة حماة حين أمر (الدكتور رفعت الأسد) بقتل أكبر عدد من (المتمرِّدين) حتى يدخلها منتصرًا على جواده الأدهَم!

مِن أجل نساء حماة من قُطِّعت أيديهن لتُسلب حُليهنَّ!

من أجل رُضَّع حماة، من ذُبِحوا في حجر أمهاتهم!

من أجل الكرد من انتُهكت حقوقهم وضُيِّعت أمانيهم، واضطهدوا واعتقِلوا وشُرِّدوا!

من أجل الموت والرعب والخوف!

من أجل العُزْلة والقتل والترهيب!

من أجل الدم الذي سار في نهر العاصي، وسقى بَردى وأدار النواعير ومشى شلالاتٍ في الفرات يَحكي قَصص الدمار وأحاديث القتل والإرهاب والتهجير!

رسالة:
إلى السوريين: فهذه ثورتكم، وهذا ثأركم وقِصاصكم، ولا تنساقوا لمن يصوِّر هذا انتقامًا؛ فإن اسمه القِصاص، وإنه لشرعةٌ لبني الإنسان شرَعها المولى - عزَّ وجل - في كتابه فقال - جلَّ في علاه-: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179]، واعلموا أنه ليس للعالَم فضلٌ عليكم؛ وإنما هو فضلُ ربكم عليكم، وإن العالَم لخائنٌ لثورتكم راكب عليها، متاجرٌ بدماء شهدائها، فلا تُعوِّلوا على خائن مَقيت.

إلى الفلسطينيين:
إن نظام الأسد في سوريا تاجَر بكم، وسعى لأن يَبني قلعة صمودٍ وتصدٍّ وممانعةٍ على شهدائكم، وسقى هذا المشروع من دمائهم، ونمَّى فينا الولاء له على أنه حامي حماكم ورافع بيارق النصر على قلاعكم، وما هو إلا قاتلٌ شرْذَم الأمَّة وضيَّع حقوقها، وأسال من دمائكم كما أسال من دمائنا، وإنه لعدو أوحد يقف صفًّا واحدًا ضدنا وضدكم؛ إسرائيلُ ومقاومها الأسد مَن لا ينام إلا بجانبها ولا يتحرَّك إلا بأمرها، ولا يَنطِق إلا بإذنها، ومِن وحيها، وتحت رايتها.

إلى إخواننا العرب والمسلمين:
ألا فإن آمالنا وأحلامنا واحدة، وأرضنا ومستقبلنا واحد، وديننا ورابطة تاريخنا واحدة، جمعتْنا على المحبة والودِّ، وقتلتْ فينا رُوح الفُرقة والنزاع، حتى أتى أمرٌ فرَّق بين الإخوة، وطبَع على أنفسهم نزعة الجاهلية فتناحَروا فيما بينهم وأكلوا حقوق بعضهم البعض، ألا فعودوا إلى حظيرة الوَحدة، واجمعوا شَتات أمركم وتوجَّهوا بأهدافكم حتى تَسودوا الأمم كما كنتم، وكما يُرادُ لكم، وهذا لا يتأتّى إلا بنُصرة إخوانٍ لكم أهلكهم الضَّيم وتداعى عليهم الظلام، فقُتِّلوا وشُرِّدوا وسالت دماؤهم حتى أغرقتْ ضمائركم، وأنتم لاهون عابِثون تَنظرونهم ثم تشيحون بوجوهكم عنهم؛ خَشيةً على مشاعركم أن تتأثَّر من قطْع رأس طفل أو بترِ يد عجوزٍ، أو ضرب امرأة حرَّة ضربًا مبرِّحًا لا يُضرَبه العبيد أوالإماء.

فهذا شعبُ سوريا أمامكم، وهذه كرامتكم وضمائركم وتاريخكم من ورائكم، فاستقيموا يرحمكم الله.